ابن كثير

183

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الوليد ، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية . فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه وقال : قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي اللّه بها يوم القيامة ، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك ، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه ، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع ، فمر بعبد اللّه بن الشاعر السكسكي فقال له ما يبكيك ؟ فذكر له أمره ، فقال له : أو مطيعي أنت ؟ فقال : نعم ، فقال اذهب إلى معاوية فقل له اقبل مني خمسك فادفع إليه عشرين دينارا وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش ، فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم ، ففعل الرجل ، فقال معاوية رضي اللّه عنه : لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه ، أحسن الرجل . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 105 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) قال مجاهد : هذا وعيد يعني من اللّه تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى وعلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعلى المؤمنين . وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [ الحاقة : 18 ] وقال تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 9 ] وقال : وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [ العاديات : 10 ] وقد يظهر اللّه تعالى ذلك للناس في الدنيا ، كما قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج اللّه عمله للناس كائنا ما كان » وقد ورد : أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ ، كما قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك » وقال الإمام أحمد « 2 » : أنبأنا عبد الرزاق عن سفيان عمن سمع أنسا يقول : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا » . وقال البخاري « 3 » : قالت عائشة رضي اللّه عنها : إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وقد ورد في الحديث شبيه بهذا ، قال الإمام

--> ( 1 ) المسند 3 / 28 . ( 2 ) المسند 3 / 164 ، 165 . ( 3 ) كتاب الشهادات باب 26 .